صديق الحسيني القنوجي البخاري

440

فتح البيان في مقاصد القرآن

استخلف غيرهم رحمة لهم ولطفا بهم ، وقال الرازي : المراد منه خلق ثالث أو رابع ، واختلفوا فيه فقيل خلقا آخر من أمثال الجن والإنس . قال القاضي : وهو الوجه الأقرب فكأنه نبه أن قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس ، وقال الطبري : المعنى كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم ، والذرية الأصل والنسل قاله أبان بن عثمان . إِنَّ ما تُوعَدُونَ من مجيء الساعة والبعث والحساب والمجازاة لَآتٍ لا محالة عن قريب فإن اللّه لا يخلف الميعاد وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي بفائتين عما هو نازل بكم وواقع عليكم ، يقال أعجزني فلان أي فاتني وغلبني ، وقال ابن عباس : أي سابقين ، وقيل هاربين منه وهو مدرككم لا محالة . والمراد بيان دوام انتفاء الإعجاز لا بيان انتفاء دوامه فإن الجملة الاسمية كما تدل على دوام الثبوت كذلك تدل بمعونة المقام إذا دخل عليها حرف النفي على دوام الانتفاء لا على انتفاء الدوام كما حقق في موضعه قاله الكرخي . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 135 ] قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 135 ) قُلْ يا قَوْمِ من كفار قريش اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ المكانة الطريقة أي اثبتوا على ما أنتم عليه فإني غير مبال بكم ولا مكترث بكفركم ، وقيل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى قدرتكم واستطاعتكم وإمكانكم ، قاله الزجاج ، وقال ابن عباس : على ناحيتكم وجهتكم . والمقصود من هذا الأمر الوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه ، فهو كقوله : اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] فلا يرد ما يقال كيف يأمركم بالثبات على الكفر . إِنِّي عامِلٌ على مكانتي أي ثابت على ما أنا عليه فَسَوْفَ لتأكيد مضمون الجملة وهذه الجملة تعليل لما قبلها . تَعْلَمُونَ أي تعرفون عند نزول العذاب بكم أو غدا يوم القيامة . مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ وهي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها أي من له النصر في دار الدنيا ومن له وراثة الأرض ومن له الدار الآخرة ، ومن هو على الحق ومن هو على الباطل ، نحن أم أنتم ، وفيه مع الإنذار إنصاف في المقال وتنبيه على كمال وثوق المنذر بأمره . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 136 ] وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 136 )